أبو نصر الفارابي

36

احصاء العلوم

فهذا هو الفرق بين نظر أهل النحو في الألفاظ وبين نظر أهل المنطق فيها : وهو أن النحو يعطي قوانين تخص ألفاظ أمة ، ويأخذ ما هو مشترك لها ولغيرها ، لا من حيث هو مشترك ، بل من حيث هو موجود في اللسان الذي عمل ذلك النحو له . والمنطق فيما يعطي من قوانين الألفاظ إنما يعطي قوانين تشترك فيها ألفاظ الأمم ، وتأخذها من حيث هي مشتركة ، ولا ينظر في شيء مما يخص ألفاظ أمة ما ، بل يقضي أن يؤخذ ما يحتاج إليه من ذلك عن أهل العلم بذلك اللسان . وأما عنوانه « 1 » - فإنه بيّن أنه ينبئ عن جملة غرضه : وذلك أنه مشتق من النطق . وهذه اللفظة « 2 » تقال عند القدماء على ثلاثة معان : أحدها - القول الخارج بالصوت ، وهو الذي به تكون عبارة اللسان عما في الضمير . والثاني - القول المركوز في النفس ، وهو المعقولات التي تدل عليها الألفاظ . والثالث - القوة النفسانية المفطورة في الإنسان ، التي بها يميز التمييز الخاص بالإنسان دون سواه من الحيوان ، وهي التي بها يحصل للإنسان المعقولات والعلوم والصنائع ؛ وبها تكون الروية ؛ وبها يميز بين

--> ( 1 ) العنوان : اللفظ ، أي لفظ المنطق . ( 2 ) المنطق مشتق من النطق ، والنطق كلمة ذات معان ثلاثة : 1 ) القول الخارج بالصوت ، أي العبارة اللغوية أو الكلمات من حيث هي أصوات . 2 ) القول المركوز في النفس ، أي المعقولات أو المعاني التي تدل عليها الألفاظ . 3 ) القوة النفسانية المفكرة في الإنسان أو العقل .